الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
272
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جوابا للشرط ، إذ التقدير فإنّه غنيّ عنكم . وتأيّد ذلك القصد بتذييلها بقوله : وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً أي غنيّا عن طاعتكم ، محمودا لذاته ، سواء حمده الحامدون وأطاعوه ، أم كفروا وعصوه . وقد ظهر بهذا أنّ جملة وَإِنْ تَكْفُرُوا معطوفة على جملة أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ فهي من تمام الوصية ، أي من مقول القول المعبّر عنه ب وَصَّيْنَا ، فيحسن الوقف على قوله حَمِيداً . وأمّا جملة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا فهي عطف على جملة وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ، أتى بها تمهيدا لقوله : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فهي مراد بها معناها الكنائي الذي هو التمكّن من التصرّف بالإيجاد والإعدام ، ولذلك لا يحسن الوقف على قوله : وَكِيلًا . فقد تكرّرت جملة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هنا ثلاث مرّات متتاليات متّحدة لفظا ومعنى أصليا ، ومختلفة الأغراض الكنائية المقصودة منها ، وسبقتها جملة نظيرتهنّ : وهي ما تقدّم من قوله : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً [ النساء : 126 ] . فحصل تكرارها أربع مرات في كلام متناسق . فأمّا الأولى السابقة فهي واقعة موقع التعليل لجملة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 116 ] ، ولقوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء : 116 ] ، والتذييل لهما ، والاحتراس لجملة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] ، كما ذكرناه آنفا . وأما الثانية التي بعدها فواقعة موقع التعليل لجملة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ . وأما الثالثة التي تليها فهي علّة للجواب المحذوف ، وهو جواب قوله : وَإِنْ تَكْفُرُوا ؛ فالتقدير : وإن تكفروا فإنّ اللّه غنيّ عن تقواكم وإيمانكم فإنّ له ما في السماوات وما في الأرض وكان ولا يزال غنيّا حميدا . وأمّا الرابعة التي تليها فعاطفة على مقدّر معطوف على جواب الشرط تقديره : وإن تكفروا باللّه وبرسوله فإنّ اللّه وكيل عليكم ووكيل عن رسوله وكفى باللّه وكيلا . وجملة إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ واقعة موقع التفريع عن قوله : غَنِيًّا حَمِيداً . والخطاب بقوله : أَيُّهَا النَّاسُ للناس كلّهم الذين يسمعون الخطاب تنبيها لهم بهذا النداء . ومعنى يَأْتِ بِآخَرِينَ يوجد ناسا آخرين يكونون خيرا منكم في تلقي الدين . وقد علم من مقابلة قوله : أَيُّهَا النَّاسُ بقوله : بِآخَرِينَ أنّ المعنى بناس آخرين غير كافرين ، على ما هو الشائع في الوصف بكلمة آخر أو أخرى ، بعد ذكر مقابل